الشيخ محمد النهاوندي
114
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
المعتزلة القائلين بأنّ العبد مستقل في أفعاله ، ولا يقدر اللّه على منعه منها وصرفه عنها ، هم القدرية ، لأنّهم أشركوا باللّه خلقه في افعالهم . ومقتضى حديث أمير المؤمنين عليه السّلام مع الشيخ الذي منعه عن المسير إلى الشام - حيث قال : أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام ، ألقضاء « 1 » من اللّه وقدر ؟ فقال علي عليه السّلام : « يا شيخ ، ما علوتم تلعة ، ولا هبطتم بطن واد ، إلّا بقضاء من اللّه وقدر » . فقال الشيخ : عند اللّه أحتسب عنائي . فقال علي عليه السّلام : « وتظنّ أنّه قضاء حتم ، أو قدر لازم ، لا إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والزجر من اللّه ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمة من اللّه للمذنب ، ولا محمدة للمحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وقدرية هذه الأمّة » « 2 » - أن الأشاعرة القائلين بأن افعال العباد مخلوقة للّه . وقال بعض الأفاضل : « تلك مقالة عبدة الأوثان » إشارة إلى الأشاعرة . وقوله : « قدرية هذه الامّة » إشارة إلى المعتزلة « 3 » . وقال بعض الأجلّة : « القدرية هم المنسوبون إلى القدر ، ويزعمون أنّ كلّ عبد خالق فعله ، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير اللّه ومشيئته ، فنسبوا إلى القدر لأنّه بدعتهم وضلالتهم « 4 » . وقال شارح ( المواقف ) : قيل : القدرية هم المعتزلة لاسنادهم أفعالهم إلى قدرتهم . وفي الحديث : « لا يدخل الجنّة قدريّ ، وهو الذي يقول : لا يكون ما شاء اللّه ، ويكون ما شاء إبليس » . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 50 إلى 55 ] وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) ثمّ بيّن سبحانه كمال قدرته بقوله : وَما أَمْرُنا لشيء إذا نريد إيجاده إِلَّا كلمة واحِدَةٌ لا تكرار فيها ، وهي كلمة ( كن ) التي يعبّر بها عن الإرادة التكوينية ، فإذا يكون الشيء المراد وجوده ويوجد بسرعة ويسير كَلَمْحٍ ونظر سريع بِالْبَصَرِ . قيل : لمّا اشتملت الآيات السابقة على وعيد الكفار بالاهلاك عاجلا وآجلا ، والوعد للمؤمنين
--> ( 1 ) . في الاحتجاج : أبقضاء . ( 2 ) . الاحتجاج : 208 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 / 70 . ( 4 ) . تفسير الرازي 29 / 69 .